سيد محمد طنطاوي

551

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وهنا يحكى القرآن ما يدل على أن موسى - عليه السلام - قد أدرك أنه تجاوز المكان الذي حدده له ربه - تعالى - للقاء العبد الصالح فقال : * ( قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ ، فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً ) * . أي قال موسى لفتاه : ذلك الذي ذكرته لي من أمر نسيانك لخبر الحوت هو الذي كنا نبغيه ونطلبه ، فإن العبد الصالح الذي نريد لقاءه موجود في ذلك المكان الذي فقدنا فيه الحوت . * ( فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً ) * أي : فرجعا من طريقهما الذي أتيا منه ، يتتبعان آثارهما لئلا يضلا عنه ، حتى انتهيا عائدين مرة أخرى إلى موضع الصخرة التي فقد الحوت عندها . وقصصا : من القص بمعنى اتباع الأثر . يقال : قص فلان أثر فلان قصا وقصصا إذا تتبعه . ثم حكى القرآن ما تم لهما بعد أن عادا إلى مكانهما الأول فقال : * ( فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناه رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وعَلَّمْناه مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) * . أي : وبعد أن عادا إلى مكان الصخرة عند مجمع البحرين مرة أخرى وجدا « عبدا من عبادنا » الصالحين . والتنكير في « عبدا » للتفخيم ، والإضافة في « عبادنا » للتشريف والتكريم . * ( آتَيْناه رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا ) * أي : هذا العبد الصالح منحناه وأعطيناه رحمة عظيمة من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا : واختصصناه بها دون غيره . وهذه الرحمة تشمل النعم التي أنعم اللَّه - تعالى - بها عليه - كنعمة الهداية والطاعة وغيرهما . * ( وعَلَّمْناه مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) * أي : وعلمناه من عندنا لا من عند غيرنا علما خاصا ، لا يتيسر إلا لمن نريد تيسيره ومنحه له . والمراد بهذا العبد : الخضر - عليه السلام - كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة . ومن العلماء من يرى أنه كان نبيا ، ومنهم من يرى أنه كان عبدا صالحا اختصه اللَّه بلون معين من العلم اللدني . أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « إنما سمى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء ، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء » « 1 » . ويرى المحققون من العلماء أنه قد مات كما يموت سائر الناس . وإلى ذلك ذهب الإمام

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 319 .